فخر الدين الرازي
98
القضاء والقدر
العلم بالنسبة ، مسبوق بالعلم بكل الماهية الفلانية هي التي يلزمها اللازم الفلاني . فهذا لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية . فإن بهذا القدر لا نعرف أن تلك الماهية أمرا ما ، مجهول الحقيقة . إلا أنه عرف منها ، أنه يلزمها اللازم الفلاني . ومن راجع نفسه ، علم أن الأمر كما ذكرناه . وأما القسم الرابع : وهو أنا نتعرف الماهية لمجموع هذه الأقسام . فهذا أيضا باطل . لأنا لما بينا أنه يمتنع أن يكون الواحد من هذه الأقسام داخل في التأثير ، امتنع أن يكون المجموع المركب منها في هذا الباب . فهذان البرهانان قاطعان في أنه لا يمكن اكتساب شيء من التصورات ، بل إن حصل شيء منها في الذهن ، فقد حصل ، وإلا فلا سبيل إلى اكتسابه . الوجه الثالث في بيان أن الأمر كما ذكرناه : هو أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا ، علمنا أنه لا يمكننا أن نتصور أمرا من الأمور ، إلا التصورات ، التي أدركناها بأحد الحواس الخمس ، أو التصورات التي وجدناها من أنفسنا . كعلمنا بالألم واللذة . والفرح والغم ، وأشباهها . أو ما يركبه العقل أو الخيال من أحد هذه الأمور . فأما أن نتصور أمرا وراء هذه الأقسام . فلا سبيل لنا البتة إليه . وهذا المعنى معلوم بالبديهة عند اعتبار أحوال النفس . فثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن شيئا من التصورات غير مكتسب . وأما أن شيئا من التصديقات غير مكتسب « 1 » . فيدل عليه أيضا وجوه : الأول : إن كل تصديق ، فلا بد فيه من تصورين . أحدهما : تصور الموضوع . والآخر : تصور المحمول « 2 » . إذا عرفت هذا فنقول : إما أن يكون مجرد حضور هذين التصورين في الذهن ، مستقلا بإيجاب أن يحكم الذهن بذلك التصديق ، أو لا يكون . والأول : هو البديهيات . والثاني : هو النظريات . مثال الأول : إنا إذا تصورنا أن الواحد ما هو ؟ وتصورنا أن نصف الاثنين ما هو ؟ فمجرد حضور هذين التصورين في الذهن ، يوجب جزم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين . فهذا هو البديهي . ومثال الثاني إنا إذا تصورنا : أن العالم ما هو ؟ وأن الحادث ما هو ؟ لم يكن مجرد حضور هذين التصورين ، موجبا جزم الذهن بأن العالم حادث ، أوليس بحادث . إذا عرفت هذا فنقول : أما التصديقات البديهية ، فشئ منها غير مكتسب . لأن ذينك
--> ( 1 ) راجع الملاحظة السابقة . ( 2 ) الموضوع والمحمول من اصطلاحات علم المنطق . وهما يقابلان الخبر والمخبر عنه . وقد عرف ابن سينا الموضوع بأنه « هو الذي يحكم عليه بأن شيئا آخر موجود له أو بموجود له » والمحمول بأنه : هو المحكوم به أنه موجود أوليس بموجود لشيء آخر » ( النجاة 51 - 52 ) وهما يقابلان الخبر والمخبر عنه عند الغزالي ( معيار العلم 109 ومقاصد الفلاسفة 54 ) فقولك زيد قائم : زيد - الموضوع وقائم - المحمول .